هل تكون ولاية 2026 هي المنعطف؟

عبد الحي الغربة، أستاذ جامعي

الخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر 2026 لم يكن خطابَ افتتاحٍ عادياً، بل كان لحظة فاصلة بين مرحلتين. فقد ربط المرحلة المقبلة بطموح المغرب «كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة»، وهذا ليس مجرد توصيف دبلوماسي بل تكليف ثقيل. فبعد عقدين من تشييد البنيات التحتية الكبرى، يجد المغرب نفسه أمام سؤال الحكامة الحقيقي: كيف نحول الإسمنت إلى عدالة؟

الأرقام تفضح حجم التحدي. فعلى مستوى الماء، الذي وضعه الخطاب في صدارة الاستراتيجيات الكبرى الجديدة، عشنا في سنة واحدة ما يشبه المعجزة. نسبة ملء السدود قفزت من نحو 32 بالمئة إلى 65.3 بالمئة مطلع أكتوبر 2026، والمخزون تضاعف وأكثر بزيادة 104 بالمئة. لكن هذه الوفرة ليست مضمونة، والدليل أن نسبة الملء كانت قد بلغت 73.8 بالمئة أواخر يونيو، أي أن السدود فقدت أزيد من ثماني نقاط في صيف واحد.

ثم إنها تخفي هشاشة مجالية صارخة، فحوض سبو ينعم بنسبة تتجاوز 77 بالمئة بينما حوض سوس ماسة لا يتجاوز 46.5 بالمئة. لذلك لم يعد الأمن المائي سدوداً فقط، بل تحلية لمياه البحر أيضاً، وهي التي لا تتجاوز قدرتها اليوم 420 مليون متر مكعب سنوياً، في حين أن الهدف هو بلوغ 1.7 مليار متر مكعب في أفق 2030.

الرسالة واضحة: السؤال ليس هل أمطرت السماء، بل كيف ندبر الندرة حين يعود الجفاف.

المفارقة نفسها نجدها في الاقتصاد. بنك المغرب يتوقع نمواً بـ 4.4 بالمئة سنة 2026 قبل أن يتباطأ إلى 2.9 بالمئة سنة 2027 بسبب عودة المحصول الفلاحي إلى مستواه المتوسط. بل إن البنك نفسه يتوقع تراجع نمو الأنشطة غير الفلاحية إلى 3.1 بالمئة هذه السنة، أي أن نمو 2026 صنعته السماء أكثر مما صنعته المصانع.

ثم إن هذا النمو لا يصل بالسرعة نفسها إلى جيوب الناس. البطالة انخفضت ظاهرياً إلى 9.5 بالمئة بعد اعتماد منهجية جديدة، لكن بطالة الشباب ما زالت 27.2 بالمئة بالمفهوم الضيق، وترتفع إلى 37.6 بالمئة إذا أضيفت إليها القوة العاملة المحتملة، حسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط نفسها.

أما مشاركة النساء في سوق الشغل فلا تتعدى 18.1 بالمئة. هذا هو الاقتصاد بسرعتين: نمو رسمي وثقة اجتماعية تتآكل. وليس صدفة أن يضع تقرير المخاطر العالمية لسنة 2026 البطالة ونقص الفرص الاقتصادية على رأس التهديدات التي تواجه المغرب، وهو ما يفسر حراك «جيل زد». ولهذا دعا الخطاب إلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، بتصور متكامل يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

الخطاب وضع اليد أيضاً على سؤال السيادة وكلفتها. فالفاتورة الطاقية ستقفز، حسب بنك المغرب، إلى 138 مليار درهم سنة 2026، في وقت لا يُنتظر أن تبلغ فيه صادرات السيارات 202 مليار درهم إلا سنة 2027.

نحن نمول عجزنا الطاقي بعائدات صادراتنا الصناعية، وهنا نفهم لماذا وضع الملك الأمن المائي والطاقي والغذائي والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي في سلة واحدة، ولماذا دعا إلى التعجيل ببناء الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية. السيادة اليوم لم تعد حدوداً فقط، بل قدرة على إنتاج ما نستهلك.

ولعل أقوى ما في الخطاب لهجته الحادة حول اللاتمركز، حين شدد على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» في تفعيل ميثاقه. الحكومة المنتهية ولايتها رفعت الاستثمار العمومي من 340 مليار درهم سنة 2025 إلى 380 مليار درهم سنة 2026، لكن فعالية هذا الاستثمار تظل ضعيفة.

ولأن الدولة لا يمكنها أن تستثمر وحدها، دعا الخطاب القطاع الخاص إلى أن يصير فاعلاً استراتيجياً، أكثر قدرة على خلق فرص الشغل وعلى الاستثمار والتصدير. وقد خصص قانون المالية لسنة 2026 غلافاً أولياً قدره 20 مليار درهم للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي تقدَّر كلفتها الإجمالية بنحو 210 مليارات درهم على ثماني سنوات، وفي مقدمة المعنيين بها الجبال والواحات والمراكز القروية الناشئة. هذا هو امتحان الجدية: هل ستتحول هذه الأرقام إلى طرق ومستشفيات في تالسينت وأنفكو وزاكورة، أم ستظل مركزة في محور طنجة – الدار البيضاء؟

في النهاية، خلاصة خطاب 9 أكتوبر أن زمن التصورات النظرية انتهى وحان زمن النجاعة الميدانية. الولاية التشريعية الجديدة أمام فرصة قد لا تتكرر، فإما أن تترجم وفرة السدود والنمو والاستثمار الترابي إلى عدالة مجالية يشعر بها المواطن، وإما أن تبقى مجرد أرقام تؤثث صفحات التقارير الرسمية وغير الرسمية.

أترك تعليقا