500 ألف درهم استثمار يقود تعاونية بفاس نحو الجودة والتوسع في تسويق زيت الزيتون

 بمجرد الولوج إلى مقر “تعاونية سليم للعطاء” بجماعة أولاد الطيب التابعة لعمالة فاس، تنبعث رائحة زيت الزيتون البكر الممتاز لتختزل حكاية شغف امتزج بالعمل الدؤوب، وحلم تحول بفضل دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى مشروع واعد يزاوج بين تثمين المنتوجات المجالية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

داخل فضاء يجمع بين الإنتاج والتخزين والعرض، تنهمك أياد خبيرة في تتبع مختلف مراحل إنتاج زيت الزيتون، بينما تصطف على الرفوف قنينات بأحجام مختلفة، إلى جانب عشرات المنتوجات المحلية القادمة من تعاونيات أخرى بالمنطقة، في مشهد يعكس روح التضامن والتكامل التي يقوم عليها العمل التعاوني.

ورغم أن التعاونية تأسست سنة 2020، فإن انطلاقتها الفعلية كانت سنة 2022، بعد استفادتها من دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في إطار برنامج تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، وهو الدعم الذي منح المشروع دفعة قوية، سواء من خلال اقتناء التجهيزات الحديثة أو عبر المواكبة التقنية والتكوين في مجالات الحكامة والجودة.

وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أكد رئيس التعاونية، جودار عبد الكريم، أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كانت “الرافعة الحقيقية” التي مكنت المشروع من الانتقال من مجرد فكرة إلى وحدة إنتاج تستجيب لمعايير الجودة والسلامة الصحية.

وأوضح أن الكلفة الإجمالية للمشروع بلغت 500 ألف درهم، ساهمت فيها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بمبلغ 300 ألف درهم، فيما ساهمت التعاونية ب 200 ألف درهم، وهو ما أتاح اقتناء تجهيزات تقنية متطورة، تضم صهاريج حديثة من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومضخات، ومختلف المعدات الضرورية للإنتاج والتخزين.

وأضاف أن الدعم لم يقتصر على الجانب المالي فحسب، بل شمل كذلك التكوين في الحكامة والجودة والتسيير، والاستعانة بمكتب للدراسات لمواكبة التعاونية في مسار الحصول على شهادة الاعتماد، وهو ما توج بنيلها شهادة اعتماد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية في غشت 2025، الأمر الذي عزز ثقة المستهلكين وفتح أمامها آفاقا جديدة للتسويق.

وفي قلب فضاء الإنتاج، تبدو العناية الفائقة في كل مرحلة من مراحل التصنيع واضحة للعيان. فالتعاونية تعتمد على خليط من الزيتون الأخضر والأحمر والأسود، المستخرج من صنفي البيشولين والحوزية المغربيين، المعروفين بجودتهما العالية.

ويؤكد رئيس التعاونية أن سر جودة زيت التعاونية لا يرتبط فقط بجودة الثمار، وإنما أيضا باحترام أدق التفاصيل التقنية، إذ يتم نقل الزيتون مباشرة بعد جنيه إلى وحدة العصر، قبل إخضاعه للعصر البارد في درجة حرارة لا تتجاوز 27 درجة مئوية، حفاظا على مكوناته الطبيعية ونكهته المميزة، بما يجعله مطابقا لمعايير المجلس الدولي للزيتون الخاصة بزيت الزيتون البكر الممتاز.

ولا تنتهي رحلة الجودة عند مرحلة العصر، إذ يتم تخزين الزيت داخل صهاريج حديثة من الفولاذ المقاوم للصدأ، اقت نيت بفضل دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تبلغ سعة كل واحدة منها 10 أطنان، بما يضمن الحفاظ على خصائص المنتوج وجودته إلى حين تسويقه.

ولا يقتصر نشاط تعاونية “سليم للعطاء” على إنتاج زيت الزيتون، بل تحول مقرها إلى فضاء حقيقي لتثمين المنتوجات المجالية، حيث تعرض إلى جانب زيت الزيتون والزيتون ومشتقاته، الذي يسوق في عبوات تتراوح بين 500 مليلتر وخمسة لترات، بأسعار تتراوح بين 40 و70 درهما للتر حسب الجودة، تشكيلة واسعة من منتجات تعاونيات أخرى.

فرفوف العرض تزخر بأنواع متعددة من العسل، من بينها عسل العرعار والكالبتوس والخروب والسدر والأعشاب والشوك، فضلا عن سكر التمر، وأنواع مختلفة من الكسكس، مثل كسكس الذرة وكسكس القمح بالأعشاب والكسكس الكامل، إضافة إلى الأعشاب الطبية والعطرية، من قبيل الحلبة وبذور الشيا والسالمية والكامون الصوفي والزعيترة وماء الورد، في مبادرة تعكس روح التكامل بين التعاونيات وتشجع على تسويق المنتوجات المحلية.

ولا يخفى الأثر الاجتماعي لهذا المشروع على الساكنة المحلية، إذ تضم التعاونية خمسة أعضاء، من بينهم سيدتان، كما توفر خلال موسم جني الزيتون، الممتد ما بين شهري نونبر ويناير، فرص عمل يومية لفائدة ما بين خمسة وستة أشخاص، معظمهم من أبناء ونساء الدواوير المجاورة، وهو ما يساهم في خلق دخل إضافي للأسر وتنشيط الحركة الاقتصادية بالمنطقة.

ويشير عبد الكريم جودار إلى أن الإقبال على منتجات التعاونية يشهد تزايدا مستمرا، حيث يقصدها زبناء من مدينة فاس ونواحيها، فضلا عن مدن أخرى، من بينها الرباط والدار البيضاء وطنجة، سواء لاقتناء المنتجات مباشرة من مقر التعاونية أو عبر خدمة توصيل الطلبيات.

ولا يخفي رئيس التعاونية طموحه في أن يتسع نطاق التعاونية إلى فضاءات أوسع وأرحب، من خلال المشاركة في المعارض الوطنية والدولية، والانفتاح على التصدير، فضلا عن إحداث فروع جديدة بعدد من المدن الكبرى للتعريف بالمنتوج وتوسيع شبكة التسويق.

ومن جهتها، أكدت المكلفة بتنزيل محور تحسين الدخل ضمن البرنامج الثالث للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة فاس، كوثر لحراري، أن تجربة “سليم للعطاء” تمثل واحدة من قصص النجاح التي تعكس الأثر الملموس للمبادرة في مجال دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

وأوضحت، في تصريح مماثل، أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتحت إشراف ولاية جهة فاس-مكناس، جعلت من دعم التعاونيات أولوية أساسية، بالنظر إلى دورها في خلق فرص الشغل وتحسين الدخل وتعزيز روح المبادرة لدى الشباب والنساء.

وأضافت أن المبادرة مكنت، في إطار محور تحسين الدخل، من تمويل أكثر من 60 تعاونية بعمالة فاس، باستثمار إجمالي بلغ 23 مليون درهم، ساهمت فيه المبادرة بأكثر من 17 مليون درهم، مبرزة أن أكثر من 40 تعاونية تضم ما لا يقل عن 50 في المائة من النساء ضمن أعضائها، من بينها 12 تعاونية نسوية، فيما تنشط أكثر من 10 تعاونيات بالمجال القروي.

كما أشارت لحراري إلى أن هذا الدعم يشمل قطاعات متنوعة، من بينها الفلاحة، والصناعة التقليدية، والسياحة، والمنتوجات الغذائية، وتكنولوجيات التواصل، والخدمات، وهو ما يعكس الرهان الذي ترفعه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية على الاقتصاد الاجتماعي والتضامني باعتباره محركا للتنمية المحلية.

وبين عبق زيت الزيتون، وحداثة التجهيزات وطموح الشباب الذين يقودون هذه التجربة، تبدو “تعاونية سليم للعطاء” أكثر من مجرد وحدة إنتاج؛ إنها قصة نجاح تؤكد أن الاستثمار في الإنسان ومواكبة المبادرات المحلية وتثمين الثروات المجالية، كفيل بتحويل الأفكار الصغيرة إلى مشاريع واعدة، قادرة على خلق الثروة وتوفير فرص الشغل وتعزيز التنمية المستدامة، وهي الغايات التي ما فتئت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تعمل على تجسيدها على أرض الواقع.

أترك تعليقا