البنك الدولي يشيد بنموذج المغرب في تعبئة الرأسمال الخاص لصالح المقاولات الناشئة

شهد قطاع تمويل المقاولات الناشئة في المغرب تحولاً ملحوظاً. فقبل عشر سنوات، كان 6% فقط من إجمالي الاستثمار في أسهم رأس المال يصل إلى المقاولات في مراحلها الأولى.

وقال البنك الدولي في مقال نشره على موقعه الرسمي، إن الاستثمارات العامة المتتالية على مدى عشر سنوات أدت إلى بناء إحدى أكثر منظومات تمويل المقاولات الناشئة تنظيماً في المنطقة.

وبتمويل قدره 50 مليون دولار قدمه البنك الدولي، نجح صندوق “إنوف إنفست” في تعبئة أكثر من 70 مليون دولار من رأس المال الخاص، وهو ما يعادل 1.4 المبلغ المستهدف، وساهم في انشاء أربعة صناديق لرأس المال المخاطر، وساند ما يقرب من ألفٍ من رواد الأعمال، كما أسهم في إحداث أكثر من 4 آلاف فرصة عمل، وجذب مستثمرين دوليين، بما في ذلك مؤسسة التمويل الدولية، للاستثمار لأول مرة في صناديق مغربية مسجلة محلياً.

وتمثلت أبرز نقاط قوة صندوق “إنوف إنفست” في تصميمه، حيث جمع بين نافذة الاستثمارات الموجهة ونافذة المواكبة لحاملي المشاريع، وهو نموذج يجري تنزيله الآن في ثمانية مشاريع لمجموعة البنك الدولي في المنطقة، بإجمالي يزيد على 500 مليون دولار.

صندوق “إنوف إنفست” يسد الفجوة

لا يتدفق رأس المال الخاص بشكل طبيعي إلى المقاولات المبتكرة عالية النمو؛ فالمخاطر مرتفعة للغاية، والآفاق الزمنية طويلة جداً، والعائدات غير مؤكدة إلى حد كبير. ومع ذلك، فإن هذه المقاولات تحديداً هي التي تدفع عجلة الابتكار، وتتيح فرص الشغل، وتُحدث تحولاً في الاقتصادات.

وتقدم تجربة المغرب على مدار العقد الماضي إجابة مقنعة عما يتطلبه تغيير هذا الواقع: تدخلات عامة موجهة وجيدة الحوكمة، تُنفَّذ بصورة متدرجة بمرور الوقت، وتُصمَّم لتعبئة رأس المال الخاص وتحفيزه على الاستثمار، لا لتحل محله.

في عام 2015، واجه رواد الأعمال في المغرب، الذين كانوا يمتلكون منتجاً تكنولوجياً واعداً، طريقاً مسدوداً مألوفاً؛ فقد كانت البنوك تطلب ضمانات لم تكن تملكها، وكانت المنح شحيحة، ولم يكن يذهب إلى المقاولات الناشئة سوى 6% من إجمالي الاستثمار في أسهم رأس المال.

كما كانت معظم الصناديق تركز عادةً على المقاولات الأكبر حجماً والأكثر رسوخاً، وبمبالغ استثمار تتجاوز بكثير نطاق التمويل الذي تحتاجه معظم المقاولات في مراحلها الأولى، والذي يتراوح بين 20 ألف دولار و3 ملايين دولار. وكان هذا هو “وادي الموت” الفاصل بين الفكرة الجيدة والمشروع التجاري القابل للاستمرار.

وعلى الرغم من أن المساندة المقدمة لرواد الأعمال بدأت تتبلور، فإن منظومة ريادة الأعمال لم تكن قد نضجت بعد. فقد بدأ عدد قليل من حاضنات الأعمال في الظهور، وهي مؤسسات تساعد رواد الأعمال على تحويل الأفكار إلى مقاولات قابلة للاستمرار. غير أن هذه الحاضنات ظلت مجزأة، ولم تكن قادرة بعد على توفير تدفق منتظم من المقاولات الناشئة الجاهزة لاستقطاب الاستثمارات.

وفي الوقت نفسه، ركز المستثمرون المؤسسيون على أدوات الدخل الثابت والعقارات، كما أن العائدات المخيبة للآمال التي حققها جيل سابق من الاستثمار المباشر جعلتهم أكثر حذراً تجاه رأس المال المخاطر. وكان رأس المال المخاطر شبه منعدم، في حين ظل الإطار التنظيمي للاستثمار في أسهم رأس المال غير مختبَر إلى حد كبير.

سوق كان لا بد من بنائها

أُطلِقَ صندوق “إنوف إنفست” في عام 2016 بتمويل قدره 50 مليون دولار من البنك الدولي، وصُمِّم ونُفِّذ بالشراكة مع وزارة الاقتصاد والمالية المغربية لبناء سوق جديدة.

وكان هذا الهدف هو الأساس الذي قام عليه تصميم صندوق “إنوف إنفست”. فمن خلال “تمويلكم”، وهي الشركة الوطنية للضمان وتمويل المقاولات في المغرب، استثمرت الحكومة جنباً إلى جنب مع مستثمري القطاع الخاص في صناديق رأس المال المخاطر.

ولاجتذاب رؤوس الأموال الخاصة، قبلت بحصة أصغر من العوائد المحتملة، مع ترك قرارات الاستثمار للمتخصصين من مديري الصناديق. وكانت الرسالة واضحة، وهي أن الحكومة مستعدة للمشاركة في تحمل المخاطر. وقد نجح هذا النهج بالفعل.

وأُنشئت أربعة صناديق متخصصة لرأس المال المخاطر، وتَمَّت تعبئة أكثر من 70 مليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة، أي ما يعادل 1.4 الهذف المستهدف الأولي. وأصبح أحد هذه الصناديق أول صندوق يتخذ من المغرب مقراً له ينجح في استقطاب مؤسسات التمويل الإنمائي الدولية، مثل مؤسسة التمويل الدولية ومؤسسة بروباركو، إلى جانب مستثمرين محليين من القطاع الخاص شاركوا في الاستثمار.

وأسهم هذا الإنجاز البارز، الذي تحقق بفضل إصلاح الإطار التنظيمي للاستثمار المباشر في المغرب، والذي ساعد المشروع في بلورته، مدعوماً بمساعدة فنية موازية قدمها البنك الدولي من خلال البرنامج المشترك لأسواق رأس المال، في تغيير التصورات السائدة في السوق بشأن ما يمكن تحقيقه؛ إذ تجاوز المغرب عتبةً جديدة حظيت باعتراف المستثمرين الدوليين.

وإلى جانب توفير رأس المال، نجح صندوق “إنوف إنفست” في بناء المقومات المؤسسية التي كانت تفتقر إليها منظومة الأعمال؛ حيث جرى اعتماد 16 حاضنة ومسرّعة أعمال، مما حوّل المبادرات المنعزلة إلى مسار وطني منسق.

وحصل ما يقرب من ألف رائد أعمال على منح لمرحلة ما قبل التأسيس، أو قروض ميسرة، أو خدمات التوجيه والإرشاد. ونتيجة لذلك، أُتيحت أكثر من 4 آلاف فرصة عمل مباشرة، وحصلت المقاولات التي تقودها المرأة على 27% من التمويل، متجاوزةً بذلك الهدف المحدد في المشروع بشأن المساواة بين الجنسين.

مساران متوازيان وجيل ثانٍ للبناء على ما تحقق

بالإضافة إلى النتائج المباشرة، أتاح صندوق “إنوف إنفست” اختبارَ البيئة التي كان من المتوقع أن تعمل فيها السوق والكشف عن القيود التي قد تعوق تطورها. وساعد أثناء التنفيذ في تحديد عدد من القيود التنظيمية، مثل القيود المتعلقة بالصرف الأجنبي وحماية المستثمرين أصحاب حصص الأقلية، والتي جرت معالجتها من خلال إصلاحات موازية في السياسات.

ومن خلال إثبات إمكانية قيام سوق واعدة، حفّز المشروع أيضاً موجة أوسع من المبادرات التكميلية، شملت إنشاء صناديق ومسرّعات أعمال ومؤسسات جديدة. ومنذ ذلك الحين، استُلهم هذا النهج في ثمانية مشروعات لمجموعة البنك الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، بإجمالي تمويل تجاوز 500 مليون دولار.

ويعكس الجيل الثاني من التدخلات نهجاً بات أكثر نضجاً؛ فبينما استخدم صندوق “إنوف إنفست” الاستثمار المشترك من الأموال العامة لإعادة جذب سوق مترددة، يطبق الهيكل الجديد آلية لتحمل الخسارة الأولى، بما يركز الدعم العام حيثما يكون رأس المال الخاص في أشد الحاجة إليه.

وتنتظم شركة “تمويلكم” وصندوق الإيداع والتدبير وصندوق محمد السادس للاستثمار الآن ضمن منظومة متكاملة تغطي كامل مراحل التمويل، من بلورة الأفكار وحتى التوسع في الأعمال. ويُدمج برنامج تسريع التحول الرقمي في المغرب، الذي تمت الموافقة عليه في يونيو 2026 بتمويل قدره 250 مليون دولار من البنك الدولي، حصيلة الدروس المستفادة على مدى عقد كامل في إطار أجندة أوسع للتحول الرقمي.

ومؤخراً، دخلت مؤسسة التمويل الدولية في شراكة مع “تمويلكم” بشأن آلية لتقاسم المخاطر بقيمة 300 مليون دولار لتوسيع نطاق حصول المقاولات الصغيرة والمتوسطة على التمويل، في أول استثمار تنفذه المؤسسة بالتعاون مع “تمويلكم”.

لا تزال هناك تحديات قائمة، من بينها استكمال الإصلاحات التنظيمية، وترسيخ الوضع القانوني للمقاولات الناشئة، وبناء البعد الإقليمي الذي باتت تتطلبه طموحات المغرب. غير أن هذه التحديات تمثل في حد ذاتها دليلاً على مدى التقدم الذي أحرزته السوق.

فالسوق التي كان على صندوق “إنوف إنفست” أن يسهم في إنشائها أصبحت اليوم مهيأة لتعميقها وتوسيع نطاقها. وهذا هو الأثر الذي يمكن أن تحدثه الاستثمارات العامة المتأنية والمتتابعة على مدى عشر سنوات، وهو أيضاً ما تقدمه تجربة المغرب كنموذج يُحتذى به في المنطقة.

أترك تعليقا