جامعة ابن زهر تعيد تشكيل خريطة التعليم العالي بالجنوب عبر توسع نوعي وتخصصات جديدة

تشهد جامعة ابن زهر واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة في تاريخها، في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في تصورها لدور الجامعة داخل المجال الترابي، بعدما ارتفع عدد مؤسساتها من 24 إلى 39 مؤسسة جامعية، ضمن مشروع يهدف إلى الارتقاء بجودة التكوين، وتعزيز التخصص، وتقريب العرض الجامعي من مختلف أقاليم الجنوب المغربي.

ولا يقتصر هذا التحول على إحداث مؤسسات جديدة، بل يعكس توجهاً استراتيجياً نحو إعادة تنظيم الخريطة الجامعية وفق منطق التخصص، من خلال الفصل بين التكوينات الأكاديمية داخل مؤسسات مستقلة، بما يسمح بتطوير برامج أكثر انسجاماً مع متطلبات البحث العلمي وسوق الشغل.

وفي هذا السياق، جرى تحويل كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بكل من أكادير وآيت ملول إلى مؤسستين منفصلتين، الأولى تُعنى بالقانون والعلوم السياسية، والثانية بالاقتصاد والتدبير. كما شهدت مدينة تارودانت إحداث ثلاث كليات متخصصة في العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية والاقتصاد، إلى جانب مدرسة للمهندسين تُعنى بالذكاء الاصطناعي ومهن المستقبل.

أما بمدينة ورزازات، فقد تعزز النسيج الجامعي ليضم أربع مؤسسات، من بينها معهد متخصص في السينما والفنون، ينسجم مع المكانة التي تحتلها المدينة في الصناعة السينمائية، إلى جانب المدرسة العليا للتكنولوجيا التي تواصل دعم العرض الأكاديمي بالمنطقة.

ويواكب هذا الورش أيضاً توجهاً واضحاً نحو تقريب الجامعة من الطلبة، عبر توسيع انتشارها الجغرافي في عدد من المدن، بما يتيح الولوج إلى التعليم العالي داخل المحيط المحلي، ويخفف من أعباء التنقل والإقامة على الأسر.

وفي هذا الإطار، عززت مدينة تزنيت عرضها الجامعي بإحداث كليتين جديدتين، إحداهما للقانون والعلوم السياسية، والثانية للاقتصاد والتدبير، في خطوة تروم توسيع فرص الولوج إلى التكوين الجامعي لفائدة طلبة الإقليم والمناطق المجاورة.

كما تعرف مدينة كلميم توسعاً لافتاً في بنيتها الجامعية، من خلال توفرها على كلية للقانون والاقتصاد، وكلية للعلوم والتقنيات، والمدرسة العليا للتكنولوجيا، والمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، إضافة إلى كلية الطب، ما يؤهلها لتصبح قطباً جامعياً متكاملاً يخدم الأقاليم الجنوبية.

ويشمل هذا التوسع أيضاً مدينتي العيون والداخلة، في إطار مواكبة الأوراش التنموية الكبرى التي تعرفها الأقاليم الجنوبية. ففي العيون، انضمت مدرسة للمهندسين في التكنولوجيا المتقدمة إلى كل من كلية الطب والمدرسة العليا للتكنولوجيا، بينما تعزز العرض الجامعي بالداخلة بإحداث مدرسة مماثلة، إلى جانب المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير والمدرسة العليا للتكنولوجيا، بما يدعم تكوين الكفاءات في المجالات المرتبطة بالاقتصاد الجديد.

ومن جهة أخرى، تواصل جامعة ابن زهر الانفتاح على التخصصات المرتبطة بمهن المستقبل، حيث عززت مدينة آيت ملول عرضها التكويني بإحداث مدرسة للمهندسين متخصصة في الصناعة الغذائية والبيوتكنولوجيا، في خطوة تنسجم مع المؤهلات الفلاحية والصناعية التي تزخر بها المنطقة، وتهدف إلى إعداد مهندسين قادرين على مواكبة الابتكار وتطوير الصناعات الغذائية والتكنولوجيا الحيوية. كما عرفت أكادير إحداث كلية لطب الأسنان ومعهد لمهن الرياضة، في توجه يعكس سعي الجامعة إلى مواكبة التحولات التي يشهدها سوق الشغل، والاستجابة للطلب المتزايد على هذه التخصصات.

ويعكس هذا المشروع رؤية جديدة تجعل من الجامعة فاعلاً أساسياً في التنمية الترابية، من خلال مؤسسات أكثر تخصصاً، وانتشاراً جغرافياً أوسع، وتكوينات أكثر ارتباطاً باحتياجات الاقتصاد الوطني والجهوي.

وبامتدادها اليوم من أكادير إلى الداخلة، ترسخ جامعة ابن زهر مكانتها كأحد أكبر الأقطاب الجامعية بالمملكة، في تجربة تراهن على جودة التكوين، وتكافؤ الفرص، وتعزيز التنمية بالمجالات الجنوبية، بما يؤكد أن الاستثمار في التعليم العالي أصبح ركيزة أساسية لمواكبة التحولات التنموية التي تعرفها هذه الجهات، وترسيخ موقع الجنوب المغربي كفضاء جامعي متطور ومؤثر في منظومة التعليم العالي الوطنية.

أترك تعليقا