تسوية أوضاع المهاجرين في إسبانيا.. رهان اقتصادي على توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز سوق الشغل

تضع الحكومة الإسبانية ملف التسوية الاستثنائية لأوضاع المهاجرين ضمن مقاربة اقتصادية واضحة، تقوم على تحويل كتلة بشرية تشتغل في الظل إلى قوة عمل نظامية تساهم بشكل مباشر في تمويل المالية العمومية. فالرهان الأساسي لا يقتصر على البعد الاجتماعي أو الإدماجي، بل يرتكز على توسيع القاعدة الضريبية، ورفع مداخيل الضمان الاجتماعي، وتعزيز دينامية سوق الشغل في قطاعات تعاني من خصاص هيكلي في اليد العاملة.

ويرى متتبعون، أن أول مكسب اقتصادي منتظر يتمثل في إدماج عشرات الآلاف من العمال في منظومة التصريح القانوني بالأجور،  هذا التحول من الاقتصاد غير المهيكل إلى الاقتصاد الرسمي يعني انتقال المساهمات من دائرة غير مرئية إلى دائرة خاضعة للضرائب والاقتطاعات الاجتماعية، وهو ما يرتقب أن ينعكس مباشرة على موارد الضمان الاجتماعي وصناديق التقاعد.

وفي سياق تتزايد فيه الضغوط على أنظمة الحماية الاجتماعية بسبب شيخوخة السكان، يُنظر إلى توسيع قاعدة المساهمين باعتباره آلية لتخفيف العجز الهيكلي وضمان استدامة التمويل على المدى المتوسط.

كما يُتوقع أن يؤدي تقنين أوضاع المهاجرين إلى تحسين جودة التشغيل، إذ سيمكن العمال من الولوج إلى عقود قانونية تضمن الحد الأدنى للأجور والحماية الاجتماعية، ما يعزز الشفافية في سوق الشغل ويرفع من الإنتاجية. فالعمل غير المصرح به غالبا ما يرتبط بهشاشة مهنية وضعف في الاستثمار في التكوين، بينما يتيح الإدماج النظامي فرصا أكبر للتأهيل وتحسين المهارات، وهو ما ينعكس إيجابا على مردودية القطاعات المستفيدة.

وتراهن الحكومة أيضا على معالجة اختلالات قائمة في سوق العمل، خاصة في قطاعات مثل الفلاحة، والبناء، والخدمات، والرعاية الصحية، حيث تعاني الشركات من صعوبات في إيجاد يد عاملة مستقرة، إدماج العمال المهاجرين بشكل قانوني سيوفر عرضا منتظما من اليد العاملة، ويقلل من تقلبات التشغيل الموسمي غير المصرح به، بما يدعم استقرار سلاسل الإنتاج والخدمات.

من جهة أخرى، فإن الانتقال إلى الوضع القانوني يعزز القدرة الاستهلاكية للأسر المعنية، إذ يصبح الولوج إلى النظام البنكي والقروض والسكن النظامي أكثر سهولة،  هذا التحول قد يساهم في تنشيط الطلب الداخلي، ويدعم الدورة الاقتصادية عبر ارتفاع الاستهلاك والاستثمار الصغير، ما يولد بدوره مداخيل ضريبية إضافية غير مباشرة.

اقتصاديا أيضا، يُنظر إلى تقليص حجم الاقتصاد غير المهيكل كخطوة نحو تعزيز تنافسية المقاولات الملتزمة بالقانون، إذ يحد من المنافسة غير العادلة القائمة على تخفيض التكاليف عبر التشغيل غير المصرح به. ومع توسيع قاعدة الامتثال الضريبي، يصبح الإطار الاقتصادي أكثر شفافية وتوازنا، ما ينعكس إيجابا على مناخ الأعمال.

ورغم وجود ملاحظات تتعلق بالقدرة الإدارية على تدبير المرحلة الانتقالية، فإن الحكومة تؤكد أن الكلفة الآنية لمعالجة الملفات ستُعوّض تدريجيا عبر العائدات الجديدة. ويبقى نجاح الرهان مرتبطا بسرعة إدماج المستفيدين في وظائف مستقرة ومصرح بها، وبقدرة الاقتصاد الإسباني على امتصاص هذه الطاقة البشرية ضمن دورة إنتاج نظامية ومستدامة.

في المحصلة، تقدم الحكومة هذه العملية باعتبارها استثمارا في رأس المال البشري، يهدف إلى تحويل واقع اجتماعي قائم إلى رافعة اقتصادية داعمة للنمو، ومُسهمة في استقرار المالية العمومية على المدى البعيد، في سياق أوروبي يبحث عن حلول عملية لمعادلة الشيخوخة ونقص اليد العاملة.

أترك تعليقا