قمة “نيس” للمحيطات تضع زكية الدريوش أمام تحديات تراجع المخزون السمكي وامتحان التشريعات الأوروبية

تستعد مدينة نيس الفرنسية، في شهر يونيو المقبل، لاحتضان المؤتمر الثالث للأمم المتحدة حول المحيطات.

يمثل هذا الحدث بالنسبة للخبراء، والصيادين، والصناعيين، والدول الساحلية، فرصة أخيرة لتفادي سيناريو قد يصبح فيه المحيط، بحلول عام 2030، خاليا من قدراته الغذائية والبيئية.

هذا المؤتمر، المنظم بالشراكة بين فرنسا وكوستاريكا، يأتي في إطار “عقد الأمم المتحدة للمحيط”، ويتوقع أن يشهد إعلانات طموحة حول حماية أعالي البحار، ومكافحة التلوث البلاستيكي، وتمويل الاقتصاد الأزرق.

ويعقد المؤتمر في سياق أزمة حادة تعيشها الثروة السمكية، حيث تشهد مخزونات الأسماك السطحية الصغيرة، لاسيما السردين والسردين الأفريقي خصوصا، انهيارا في عدة مناطق بحرية.

ورغم الالتزامات التي أُعلنت في قمة لشبونة عام 2022، إلا أن وتيرة الصيد لم تتباطأ.

تشير كل المؤشرات إلى الأزمة العميقة المتمثلة في تراجع كبير في الصيد التقليدي بالسنغال، وتناقص بعض الأنواع السمكية، وظهور صراعات بين الصيادين المحليين والسفن الصناعية.

في هذا السياق، لا يمكن لقمة “نيس” أن تكتفي بالخطابات لا سيما أن الدول الإفريقية تنتظر إجراءات ملموسة، ملزمة، وممولة.

قطاع الصيد بالمغرب ومخاطر تراجع المخزون والتشريعات الأوروبية

على مدار عقدين، استثمر المغرب بكثافة في تطوير اقتصاده الأزرق، إلى أن أصبح قوة إقليمية في مجال الصيد البحري. وتشكل مناطق الصحراء المغربية، لاسيما العيون وبوجدور والداخلة، أكثر من 80 في المائة من الكميات الوطنية المصطادة، وفق ما نشرته تقارير إعلامية ومنها تقرير لجريدة “لافي ايكو” المغربية.

في مدينة الداخلة، تطورت منظومة متكاملة تشمل سفن التبريد، ومصانع التحويل وموانئ حديثة، ومنصات لوجستية، بالإضافة إلى نسيج من الشركات الصغيرة المصدرة.

ويقدر عدد الوظائف المباشرة بما يقارب 14,000 وظيفة، دون احتساب الآلاف من الوظائف غير المباشرة في مجالات النقل والمناولة.

لكن هذه النجاحات تواجه تحديات مزدوجة، فمن جهة يتواصل تناقص الموارد الذي أصبح ملموسا، حيث انخفض صيد الأسماك السطحية بنسبة 25 في المائة خلال الربع الأول من 2025.

ومن جهة أخرى، يهدد شبح أزمة تجارية مع الاتحاد الأوروبي هذا القطاع، خصوصا بعد قرار محكمة العدل الأوروبية سنة 2024، الذي طعن في شمولية اتفاقيات الصيد لمياه الصحراء المغربية.

ويخشى المغرب أن يتم فرض ضرائب على صادراته من المنتجات البحرية نحو أوروبا، ما قد يهدد بهوامش أرباح الصناعيين ويربك القطاع بأكمله.

ويضاف إلى ذلك تساؤل جوهري يتلخص في : هل ينبغي للمغرب الاستمرار في السماح بالصيد ضمن منطقة الستة أميال البحرية، وهي منطقة غنية بالتكاثر السمكي؟

يدعو بعض الخبراء إلى فرض وقف مؤقت، على غرار التجربة الموريتانية، لإعطاء فرصة لتجدد المخزون. فيما يرى آخرون أن أي خطوة أحادية ستكون باهظة الكلفة ما لم تنسجم معها باقي دول المنطقة. لكن المغرب، بفضل قدراته التصديرية والتنظيمية، يبقى البلد الوحيد القادر على فرض نموذج جديد.

إفراط في الصيد وتغير مناخي وصراع الأساطيل

تشكل حالة السنغال نموذجا صارخا لأزمة باتت تمسّ عمق النموذج المعتمد. ففي أقل من عقدين، انخفض صيد السردين التقليدي بنسبة 90%، من أكثر من 60,000 طن سنة 1994 إلى أقل من 7,500 طن سنة 2017.

هذا الانهيار يرجع إلى الإفراط في استغلال الموارد، إضافة إلى تأثيرات التغير المناخي التي دفعت تجمعات الأسماك إلى الشمال، بعيدًا عن متناول القوارب التقليدية.

إلى جانب هذه الضغوط البيئية والمناخية، توجد منافسة شرسة بين الأساطيل المحلية والسفن الأجنبية، خاصة الأوروبية والروسية والصينية، التي تزيد من استنزاف الموارد رغم احترامها غالبًا للإطار القانوني.

وتعد منطقة غرب إفريقيا إحدى أكثر المناطق تضررا، حيث تشير التقديرات إلى أن 34 في المائة من مخزون الأسماك يستغل بشكل مفرط.

وفي غياب تنسيق إقليمي وآليات شفافة للإبلاغ عن الكميات المصطادة، ومع غياب توحيد للمناطق المحمية، قد تؤدي الاتجاهات الحالية إلى استنزاف كبير للثروة السمكية ومخزوناتها خلال العقد المقبل.

ورغم تحذيرات الخبراء الذين اجتمعوا مؤخرًا تحت إشراف Ifremer  وFAO، والداعين إلى إدارة جماعية للمخزون، تظل الخطوات الإقليمية خجولة بسبب غياب القيادة والإرادة السياسية والموارد المالية.

وهكذا لن تكون نيس مجرد محطة  أو قمة إضافية عادية، بل لحظة حاسمة في مستقبل المحيط الأطلسي الإفريقي.

وقد تكون الفرصة الأخيرة،  في اعتقاد الكثيرين حتى تستعيد إفريقيا سيادتها على مواردها البحرية وتعيد رسم ملامح مصيرها الغذائي والاقتصادي.

وعلى أساس ذلك، يطرح السؤال: ماذا يمكن أن تقدمه زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بقطاع الصيد البحري،  لهذا القطاع بهذه المناسبة، وكيف يمكن أن ترافع من أجله ومن أجل المغرب.؟

أترك تعليقا