الغنبوري: الدعم الاجتماعي في المغرب.. نجاح رقمي كبير وامتحان صعب للاقتصاد المنتج

- المغرب الاقتصادي
- الثلاثاء, 9 يونيو 2026, 13:00
علي الغنبوري*
في قراءة موضوعية لأبرز ارقام التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي لسنة 2025، يتضح أن ورش الدعم الاجتماعي المباشر لم يعد مجرد برنامج اجتماعي تقليدي، بل تحول إلى أكبر ورش اجتماعي في تاريخ المغرب، حيث بلغت الكلفة الاجمالية 51 مليار درهم لفائدة حوالي 3,9 مليون أسرة، وهو رقم يعكس توسع سريع وقوي في التغطية، لكنه في المقابل يطرح إشكالا بنيويا يتعلق بحدود قدرة الاقتصاد الوطني على تحمل هذا النسق التصاعدي من التحويلات دون ربطه بشكل صارم بالإنتاجية وخلق الثروة.
وتوضح هندسة النفقات أن 64,2 في المائة من مجموع الاعتمادات، أي حوالي 32,7 مليار درهم، موجهة لدعم الطفولة، ما يعني أن الاختيار الاجتماعي واضح وموجه نحو الاستثمار في الرأسمال البشري، غير أن هذا التركيز الكبير يكشف في الوقت نفسه نوع من الاختلال في توازن السياسة الاجتماعية، كما أن كلفة هذا الدعم تبقى مرتفعة، حيث تمثل أزيد من 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا، وهو مستوى يضع البرنامج في قلب النقاش حول الاستدامة المالية وقدرة الدولة على الاستمرار بنفس الوتيرة دون ضغط على التوازنات الماكرو اقتصادية.
اما على مستوى الاستهداف، فالمعطيات تبدو في ظاهرها قوية، حيث استفادت الفئات الأكثر هشاشة من 84 في المائة من مجموع الدعم، فيما يوجد 60 في المائة من المستفيدين في الوسط القروي، كما بلغت نسبة قبول الطلبات 91 في المائة، وهي نسبة مرتفعة جدا تعكس نجاعة تقنية في التدبير، لكنها في المقابل تثير سؤالا حساسا حول مدى فعالية معايير الانتقاء، وهل نحن أمام توسع في التغطية الاجتماعية ام أمام تساهل تدريجي في شروط الاستفادة بهدف توسيع قاعدة المستفيدين.
وعلى مستوى الأثر الاجتماعي، تشير الأرقام إلى أن 90 في المائة من المستفيدين راضون عن البرنامج، و87 في المائة سجلوا تراجعا في القلق المالي، غير أن هذه المؤشرات رغم قوتها تبقى مرتبطة بالادراك الذاتي للأسر أكثر من ارتباطها بتغيرات هيكلية في مستوى الدخل أو الخروج من دائرة الفقر، خاصة وأن 58,6 في المائة من الدعم يوجه للتغذية، و13,3 في المائة للصحة، و13,2 في المائة للسكن، ما يعني أننا أمام دعم يغطي أساسيات العيش اليومي أكثر مما يؤسس لتحول اقتصادي فعلي.
الأرقام تكشف أن حوالي 2,3 مليون أسرة تعتبر قابلة للاندماج الاقتصادي، وأن 40 في المائة من المستفيدين يعبرون عن رغبتهم في مواكبة نحو التشغيل أو المشاريع المدرة للدخل، وهو معطى يكشف جوهر المفارقة، نجاح كبير في تعميم الدعم الاجتماعي وتحقيق حماية فورية للأسر، مقابل إشكال بنيوي في تحويل هذا الدعم إلى رافعة انتاجية، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي لم يعد هو توسيع التغطية، بل إعادة هندسة البرنامج ليصبح جسرا نحو الادماج الاقتصادي بدل أن يبقى مجرد شبكة دعم استهلاكي دائم.
*رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي
- آخر الأخبار, أبرز العناوين, الرئيسية, مساهمات
- الدعم الاجتماعي المباشر, الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي, علي الغنبوري
- 0 تعليقات



أترك تعليقا