تقرير مجلس المنافسة يفسر تقلبات أسعار حديد الخرسانة ويربطها بكلفة الإنتاج والسياق الدولي

- أحمد ثابت
- الخميس, 12 فبراير 2026, 17:00
كشف تقرير مجلس المنافسة حول سوق حديد الخرسانة أن تطور الأسعار في السنوات الأخيرة لا يمكن فصله عن التحولات البنيوية التي يعرفها نمط الإنتاج الوطني، مؤكدا أن فهم منحى الأسعار يمر عبر تحليل كلفة التصنيع ومدخلاته الأساسية أكثر من الاكتفاء بقراءة رقمية للزيادات المسجلة في السوق.
وأوضح التقرير أن الصناعة الوطنية لحديد الخرسانة تقوم على نموذج إنتاج كثيف الرأس مال، يتطلب استثمارات ضخمة في وحدات الصهر والدرفلة، ويرتبط مردوده بمدى استغلال الطاقة الإنتاجية المتاحة، ما يجعل أي اضطراب في سلاسل التوريد أو في أسعار المواد الأولية ينعكس بشكل مباشر على كلفة الطن المنتج.
وسجل المجلس أن سنة 2024 عرفت تحقيق تغطية كاملة للطلب المحلي بنسبة فاقت 100 في المائة، وهو ما يعكس قدرة المصانع الوطنية على ضمان الاكتفاء الذاتي وتقليص الواردات إلى مستويات هامشية، غير أن هذا الأداء الإنتاجي يظل رهينا باستقرار التموين بالمواد الأولية وفي مقدمتها الخردة المعدنية.
وفي هذا السياق، أبرز التقرير أن ما يقارب نصف حاجيات المصانع من الخردة يتم تأمينه عبر الاستيراد، بسبب محدودية العرض المحلي وضعف هيكلة سوق التجميع، ما يجعل كلفة الإنتاج الوطنية مرتبطة عضويا بتقلبات الأسعار الدولية وتكاليف الشحن والنقل.
وبخصوص الارتفاعات التي شهدتها سنة 2022، أشار التقرير إلى أنها تزامنت مع موجة تضخم عالمية طالت أسعار الخردة والسبائك والطاقة، إضافة إلى اضطرابات لوجستيكية دولية، وهو ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في كلفة الإنتاج لدى الوحدات الصناعية الوطنية.
وأكد المجلس أن تحليل أسعار البيع عند الخروج من المصنع أظهر ارتباطا وثيقا بين تطور أسعار المدخلات في السوق الدولية وبين الأسعار المحلية، حيث عمد المنتجون إلى عكس جزء من الزيادات حفاظا على استمرارية نشاطهم وضمان توازنهم المالي في ظل ظرفية عالمية مضطربة.
وعند تحليل هوامش الربح، خلص التقرير إلى أن الربحية الصافية للقطاع ظلت في مستويات محدودة خلال السنوات السابقة على الأزمة، وهو ما يبرز أن الزيادات الظرفية في الأسعار لا تعكس بالضرورة تحقيق أرباح استثنائية، بل جاءت في سياق محاولة امتصاص صدمات خارجية قوية.
وفي قراءة لبنية السوق، أوضح المجلس أن القطاع يتسم بتركيز مرتفع في إطار احتكار قلة، غير أن ذلك لم يمنع من وجود تنافس فعلي بين الفاعلين الرئيسيين، خاصة على مستوى الأسعار وشروط البيع، في ظل طاقات إنتاجية مهمة تتطلب الحفاظ على حجم مبيعات مستقر.
كما توقف التقرير عند وضعية إحدى الشركات التي دخلت في مسطرة التسوية القضائية بعد تراجع نشاطها، معتبرا أن هشاشة بعض الفاعلين تعكس حساسية الصناعة لتقلبات السوق، وتؤكد أن التوازن المالي في هذا القطاع يظل دقيقا رغم حجم الاستثمارات المنجزة.
وفي ما يتعلق بالتوزيع، أشار المجلس إلى أن هيمنة الوسطاء على جزء كبير من عمليات التسويق قد تسهم في توسيع الفارق بين سعر المصنع والسعر النهائي الموجه لورش البناء، ما يجعل تحليل الأسعار يقتضي التمييز بين مستويات البيع المختلفة داخل سلسلة القيمة.
وسجل التقرير أن تحسين النجاعة اللوجستيكية واعتماد صيغ أكثر مباشرة في التوزيع، خاصة بالنسبة للأوراش الكبرى، يمكن أن يساهما في تخفيف الضغط على الأسعار النهائية وتعزيز الشفافية في المعاملات.
ومن زاوية استراتيجية، شدد المجلس على أن مستقبل استقرار الأسعار يرتبط بإعادة هيكلة سوق الخردة وتنظيمها، بما يضمن وفرة المادة الأولية محليا ويقلص التبعية للأسواق الخارجية، إضافة إلى دعم الاندماج القبلي لإنتاج بعض المدخلات الصناعية داخليا.
كما أوصى بمواكبة الوحدات الصناعية في التحول نحو مزيج طاقي أكثر استدامة، لما لذلك من أثر مباشر على تقليص كلفة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية، خاصة في ظل التحولات الدولية المرتبطة بالانتقال الطاقي واشتراطات خفض الانبعاثات.
وخلص التقرير إلى أن تفسير تطور أسعار حديد الخرسانة في المغرب يستدعي مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الصناعة، وكلفة مدخلاتها، وبنية التوزيع، والسياق الدولي، مؤكدا أن استدامة الاستقرار السعري تظل رهينة بإصلاحات هيكلية تعزز السيادة الصناعية وتدعم تنافسية الإنتاج الوطني.
- آخر الأخبار, الرئيسية, صناعة
- البناء, الخرسانة, سوق الحديد, مجلس المنافسة
- 0 تعليقات



أترك تعليقا