أغلبها من “القرض الفلاحي للمغرب” .. تدفقات التمويل العمومي للفلاحة تناهز 75 مليار درهم سنويا

التقلبات المناخية تهدد مخططات التمويل العمومي للفلاحة وضرورة الإصلاح تفرض نفسها لضمان الاستدامة وتحفيز التمويل الخاص

  • لحسن مقنع

(ضمن محتويات العدد الورقي من مجلة “المغرب الاقتصادي”)

على مدى أربعة عقود طور المغرب صرحا عموميا ضخما متخصصا في تمويل القطاع الفلاحي، وسط عزوف البنوك التجارية الخاصة نظرا لطبيعة القطاع والمخاطر النسقية المرتبطة بتمويله.

من خلال هذا الصرح الذي يتمحور حول مجموعة القرض الفلاحي للمغرب وعدد متنوع من الصناديق والحسابات الخصوصية للخزينة ومؤسسات عمومية وخطوط ائتمان أجنبية، أصبحت الدولة تضخ سنويا ما بين 20 إلى 25 مليار درهم من أموال الدعم والمساعدات في القطاع الفلاحي، فيما وصل إجمالي جاري القروض التي تلقاها القطاع الفلاحي من بنك “القرض الفلاحي للمغرب” إلى حوالي 60 مليار درهم.

كل ذلك وسط غياب شبه تام لبنوك القطاع الخاص التي أدارت ظهرها لقطاع اعتبرت أنه لا يستجيب لمعايير المردودية والاحتراز التي تعتمدها البنوك التجارية عادة. غير أن المشاكل البنيوية للقطاع بدأت تطرح تساؤلات حول قابلية هذا الصرح للاستمرار على حاله على المدى البعيد، خصوصا بالنظر لوقع التغير المناخي، واجتياز المغرب في السنوات الأخيرة لسبع سنوات عجاف.

القرض الفلاحي للمغرب..  بنك تجاري بمهمة المرفق العام

تأسس البنك سنة 1961 كمؤسسة تمويل عمومية متخصصة تحت اسم الصندوق الوطني للقرض الفلاحي، وتم تحويله إلى شركة مساهمة بمجلس مدراء سنة 2003. وأصبح اليوم يحتل المرتبة الرابعة في القطاع البنكي المغربي من حيث جاري القروض، بحصة 9.3% من السوق، مع حصيلة موطدة تناهز 176 مليار درهم في نهاية 2025.

تضم مجموعة القرض الفلاحي للمغرب حاليا حوالي 20 فرعا متخصصا، ويغطي نطاق نشاطها التمويل الإيجاري، الخصم، المالية التشاركية المطابقة للشريعة (عبر الأخضر بنك)، القروض الصغرى، إضافة إلى العديد من الابتكارات المالية الرقمية الجديدة كالتمويل الجوال.

في سياق الظرفية الصعبة التي اجتازها القطاع الفلاحي في السنوات الأخيرة، والتي عرفت توالي سبعة أعوام من الجفاف وصعوبات في تسديد ديون الفلاحين، تمكن القرض الفلاحي للمغرب من اجتياز الأزمة بنجاح ملفت، كما يتجلى ذلك في تطور نتائجه.

فبعد تسجيل مستوى جد هزيل بقيمة 45 مليون درهم في سنة 2023، ارتفعت الأرباح الموطدة للمجموعة على التوالي إلى 243 مليون درهم في سنة 2024، ثم إلى 274 مليون درهم خلال 2025. وارتفع الناتج البنكي الصافي الموطد للبنك من مستوى 3.7 مليار درهم في 2023 إلى 4.8 مليار في 2024، قبل أن يتعزز وصولا إلى 5.3 مليار درهم في 2025.

غير أن هذه الإنجازات المشجعة تخفي توترات بنيوية عميقة. ففي 2024 عرفت تكلفة المخاطر ارتفاعا صاروخيا بلغت نسبته 88%، لتصل قيمتها إلى 1.8 مليار درهم على مستوى الحسابات الاجتماعية للبنك. وبلغ معدل المنازعات 10% مقابل 8.6% في العام السابق. وأعاد البنك تصنيف ما يناهز 2.3 مليار درهم من تمويلاته كقروض متعثرة إضافية خلال سنة 2024 وحدها.

منظومة عمومية لتمويل الفلاحة

غير أن التمويل العمومي للقطاع الفلاحي بالمغرب لا يقتصر على القروض البنكية للقرض الفلاحي، بل يرتكز أيضا على هندسة متعددة الطبقات تضم صندوق التنمية الفلاحية (موجه لدعم أنظمة السقي والتأمين الفلاحي وتنمية سلاسل الإنتاج الفلاحي)، تحويلات الدولة للمقاولات والمؤسسات العمومية العاملة في القطاع، صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية، مكاتب الاستثمار الفلاحي، صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية (في جزئه الخاص بالعالم القروي)، الصندوق الوطني الغابوي، بالإضافة استثمارات وكالة التنمية الفلاحية والمحافظة العقارية ووكالات الأحواض المائية.

بهذا الصدد، يقدر إجمالي تمويلات هذه الصناديق والمؤسسات مجتمعة خلال سنة 2024 بحوالي 23 مليار درهم. كما يستفيد القطاع الفلاحي أيضا من النفقات الضريبية من خلال الإعفاءات من الضرائب والرسوم الخاصة به.

بإضافة جاري قروض القطاع الفلاحي لدى القرض الفلاحي للمغرب، والتي تتراوح بين 50 و60 مليار درهم في السنة، فإن حجم الموارد المالية العمومية المعبئة لصالح القطاع الفلاحي تناهز 75 مليار درهم. وهو ما يمثل حوالي نصف القيمة المضافة للقطاع الفلاحي المقدرة بنحو 145 مليار درهم خلال 2024، أي نصف الإنتاج السنوي للقطاع، الشيء الذي يشكل سابقة في تاريخ الدعم العمومي للقطاعات الاقتصادية بالمغرب.

عزوف البنوك التجارية عن تمويل قطاع الفلاحة ومخاطر القواعد الاحترازية

رغم تواجد 19 مؤسسة بنكية تجارية معتمدة في المملكة، ظل التمويل البنكي للقطاع الفلاحي ملقى بشكل شبه كامل على كاهل مجموعة القرض الفلاحي للمغرب والآليات العمومية ذات الصلة.

يعود السبب في ذلك إلى عدد من العوامل والاعتبارات الاقتصادية المعقولة، إضافة إلى حواجز مؤسساتية ومشاكل هيكلية خاصة بالقطاع.

على رأس العوامل التي تجعل البنوك التجارية التقليدية تحجم عن تمويل الفلاحة، خصوصية مخاطر قروض القطاع الفلاحي في المغرب، وعلى رأسها الجفاف والتقلبات المناخية.

فهذه المخاطر لا تتعرض لها ضيعة أو فلاح معزول، كما هو الشأن بالنسبة لقروض الاستهلاك والاستثمار في الوسط الحضري، بل تهم كافة الفلاحين بشكل متزامن وفي نفس الوقت. فعندما تشح الأمطار خلال موسم معين يصبح جميع المزارعين ومربي الماشية دفعة واحدة في عداد المتضررين، ويصبحون بالتالي وبشكل جماعي غير قادرين عن السداد، أي في وضعية تتطلب إعادة جدولة الديون.

وفي حالة توالي سنوات الجفاف كما حدث خلال السنوات السبع الأخيرة تتراكم المديونيات وعمليات إعادة الجدولة بشكل لا يمكن لأي بنك تجاري أن يطيقه. الشيء الذي يجعل من إدراج مثل هذه المخاطر في محفظة مؤسسة بنكية مدرجة في البورصة أمرا مستحيلا، دون الحديث عن خضوعها للقواعد الاحترازية التي يفرضها البنك المركزي ومعايير المهنة.

الاعتبار الثاني يتعلق بخصوصيات اجتماعية وقانونية لملكية العقار الفلاحي بالمغرب، والتي تجعلها غير قابل للتعبئة كضمانات رهنية. فالأبناك التجارية تشترط وجود ضمانات عينية لمنح القروض. في حين أن مساحة 80% من الضيعات الفلاحية المغربية تقل عن 5 هكتارات، ويعاني جزء كبير منها من عدم التسجيل في المحافظة العقارية مع تعدد أشكال الملكية (أنظمة تقليدية، أراضي الجموع، الأراضي السلالية…) الشيء الذي لا يسمح باعتمادها كضمانات يعول عليها.

في هذا السياق، يتم تنفيذ برنامج وطني لتسريع تسنيد الممتلكات العقارية الفلاحية، تقوده الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية. وفي هذا الإطار تم تسجيل 373257 رسما عقاريا جديدا خلال سنة 2024، بزيادة 10% مقارنة بالعام السابق. غير أن الهوة لا تزال شاسعة وردمها قد يتطلب عدة عقود.

الوقع العكسي للتدخل العمومي المكثف على الأبناك التجارية

كان من المفترض أن تلعب هذه التمويلات العمومية الضخمة دورا استراتيجيا في لفت انتباه القطاع البنكي الخاص للمجال الفلاحي وتحفيزه على تمويله، خصوصا من خلال دورها في تخفيض المخاطر وتأطير الفاعلين في القطاع الفلاحي والعالم القروي وتهيئتهم للتعامل البنكي. غير أن وجود قطاع عمومي متخصص، قوي ومتوغل في العالم الفلاحي والقروي، ولد انطباعا لدى البنوك التجارية بأن الفلاحة تشكل مجالا خاصا بالقطاع العام، الشيء الذي رسخ ابتعادها وعدم اهتمامها بهذا المجال.

فبالإضافة إلى ذلك كل الإكراهات الاقتصادية والطبيعية للقطاع، أدت سياسة الدولة في القطاع الفلاحي إلى الإغلاق المؤسساتي لسوق التمويل الفلاحي بشكل فعلي وتحويله إلى نشاط خاص وحصري لمجموعة القرض الفلاحي، من خلال مجموعة من الأدوات المؤسساتية، على غرار اتفاقية 1986 حول صندوق التنمية الفلاحية التي جعلت من القرض الفلاحي للمغرب الموزع الحصري والوحيد المعتمد لتوزيع الدعم الفلاحي.

كما تم إحداث صندوق الاستقرار الاحترازي، الذي يضمن 60% من قروض تمويل الفلاح، وخصصته بشكل حصري لمجموعة القرض الفلاحي. وعلى نفس المنوال، تمت صياغة عروض “الجيل الأخضر” في إطار شراكة مغلقة بين وزارة الفلاحة والقرض الفلاحي.

ورغم أن التعبئة العامة حول القطاع، التي واكبت الاستراتيجيات الوطنية الكبرى على غرار “المغرب الأخضر” والجيل الأخضر”، نجحت في تحسين مكونات القطاع البنكي، إلا أن انعكاسها ظل في مستوى إعلانات حسن النوايا باستثناء مبادرات محتشمة.

هل يصمد صرح التمويل العمومي أمام تحديات المناخ؟

تقوم هندسة صرح التمويل الفلاحي العمومي بالمغرب حول فرضية أساسية وغير معلنة، تتمثل في افتراض أن الصدمات المناخية مجرد حوادث ظرفية محدودة، والتي يمكن للنظام امتصاصها والتغلب عليها واستعادة توازناته. غير أن صلاحية هذه الفرضية أصبحت تتآكل مع مرور الوقت.

حسب دراسة للبنك الدولي، يقدر مدى تعرض البنوك المغربية بمجملها بشكل مباشر وغير مباشر للمخاطر المادية الناتجة عن التقلبات المناخية بحوالي 35% من مجموع أصولها. غير أن الحجم الذي تمثله هذه المخاطر بالنسبة لمجموعة القرض الفلاحي، التي تتكون محفظتها بالأساس من الفلاحة والعالم القروي، أكبر بكثير من ذلك.

ذلك أن معاناة القطاع الفلاحي من توالي سبعة أعوام من الجفاف، أضحى يطرح تساؤلات قوية حول الأسس التي قام عليها نظام تمويل الفلاحة بالمغرب ومدى قابليته للاستمرار.

في سياق الانخفاض الحاد لمستوى حقينات السدود الموجهة للري الفلاحي، وتذبذب الإنتاج الزارعي خلال السبعة أعوام الأخيرة بسبب ظاهرة الجفاف، أصبح عدد الفلاحين غير القادرين على تسديد أقساط قروضهم يقدر بالآلاف، وارتفع حجم الديون التي تم تصنيفها ضمن الفئة الثالثة (Bucket 3) وفق المعايير الدولية IFRS 9، مع ارتفاع حاد في تكلفة المخاطر البنكية.

وانعكست هذه التطورات بشكل قوي على أولويات السياسة العمومية للقطاع من خلال توجيه مبالغ الدعم بشكل أكبر للمنشآت الهيدرو- فلاحية (ارتفاع مخصصات دعمها إطار صندوق التنمية الفلاحية بنسبة 35%)، إضافة إلى رفع مستوى تدخلات مكاتب الاستثمار الفلاحي في هذا المجال إلى 11.7 مليار درهم خلال الفترة 2026-2028 مع مواصلة تسريع البرنامج الوطني لاقتصاد مياه السقي، وتجهيز الضيعات بالري الموضعي.

آفاق ورهانات الإصلاح

من أبرز الإصلاحات التي يتطلع إليها القطاع، تكييف القواعد الاحترازية لبنك المغرب مع طبيعة مخاطر القطاع الفلاحي. ومن البديهي أن القواعد الاحترازية العادية، كما حددتها دورية بنك المغرب رقم 19/G، يستحيل تطبيقها على القطاع الفلاحي، نظرا للطبيعة النسقية للمخاطر.

ففي الوسط الحضري تبقى المخاطر فردية. أما في العالم القروي والفلاحي عندما يضرب الجفاف فإنه يصيب الجميع دفعة واحدة. وبالتالي فإن إعادة تصنيف القروض على أنها مستعصية أو متعثرة بسبب عدم القدرة على أداء الأقساط، وضرورة تغطيتها بمؤن، يصبح الوضع كارثيا بالنسبة للبنك. ذلك أن الأمر لا يتعلق بزبناء معزولين وإنما بالمحفظة بأكملها. لذلك يتطلع القطاع إلى قيام سلطة الرقابة والإشراف البنكي لدى البنك المركزي بوضع نظام احترازي خاص بالمخاطر الفلاحية، على غرار ما تقوم به العديد من البنوك الإفريقية ذات المحافظ المعرضة لتقلبات المناخ.

وفي شق ثان بالنسبة للإصلاحات المرتقبة بالتأمين، يشكل اعتماد نظام التأمين القائم على المؤشرات أحد المطالب الأساسية للقطاع، حيث يرتكز تفعيل هذا النظام على أساس مؤشرات موضوعية كحجم التساقطات المطرية ومستويات درجات الحرارة، من دون اللجوء إلى إجراء خبرات فردية جد مكلفة لإثبات الضرر.

وقد أثبت هذا النظام كفاءته في تعزيز مرونة التمويل الفلاحي في العديد من البلدان منها غينيا والهند والمكسيك. وفي حال تعميمه على نطاق واسع في المغرب فإنه سيمكن من توسيع القروض الفلاحية إلى شرائح غير مشمولة حتى اليوم بالخدمات البنكية.

على صعيد أخر، ومن بين الأسباب التي يعزى إليها إحجام البنوك التجارية عموما عن تمويل القطاع الفلاحي، هي الأوضاع القانونية المتنوعة للملكية العقارية في الوسط القروي. وتعلق الآمال على تسريع عمليات التحفيظ العقاري لتجاوز هذا العائق. فالرسوم العقارية المسجلة لدى المحافظة العقارية تتيح إمكانية استغلال الأصول العقارية كضمانات رهنية للحصول على قروض.

في هذا الباب، تتوخى الوكالة الوطنية للتحفيظ العقاري تغطية 6 مليون هكتار إضافية في إطار مخططها للفترة 2022-2025. ومن الوسائل التي تتم دراستها حاليا لتسريع هذا المخطط استعمال تقنية بلوك شين في مجال التوثيق الآمن.

وفي مستوى مواز، يبزر توسيع التمويل ليشمل كامل مكونات سلسلة الإنتاج الفلاحي. إذ إن القطاع يعاني من نقص في حلول تمويل التخزين والتحويل والتسويق.

وبناء عليه، يشكل تطوير حلول التمويل بالضمان على المخزون (Warrantage) إحدى الإصلاحات المقترحة، نظرا لعدم توفره حتى الآن في المغرب.  ويشكل برنامج CAM Factoring، الذي أطلقه القرض الفلاحي في سنة 2024، خطوة أولى نحو تمويل سافلة القطاع الفلاحي.

كما يقدم برنامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) الذي تنخرط فيه الوكالة التنمية الفلاحية (ADA)، آفاقا واعدة في هذا الاتجاه، إذ يتيح للمجمعين الخواص، باعتبارهم فاعلين مهيكلين ومؤهلين للحصول على التمويل البنكي، إمكانية الاضطلاع بدور حلقة وصل بين الائتمان البنكي وصغار الفلاحين الذين يتم إدماجهم في إطار السلاسل الإنتاجية.

ومن الإصلاحات الأخرى المطلوبة، وجوب تعزيز شفافية وتخليق تدبير الدعم العمومي من خلال اعتماد مقاربات خاصة لعمليات المراقبة والافتحاص ومكافحة الفساد الذي يتسبب في نزيف أموال المساعدات والدعم عبر تزوير الفواتير وملفات طلب الدعم، فضلا عن تحقيق مستوى كاف من التحكم في الموارد المائية حتى لا يظل إكراه التساقطات المطرية هو المتغير المهيمن على كل ائتمان فلاحي.

أترك تعليقا