وزراء الاقتصاد والمالية في الحكومات المتعاقبة بالمغرب – محمد برادة ( الحلقة 18)

له موقع خاص في التشكيلة الحكومية، قبل دولة الاستقلال كان يطلق عليه أمين الأمناء،  وقبل أن يسمى وزير المالية والاقتصاد. غالبا ما تكلف بهذه الوزارة شخصيات من عائلات مخزنية أو خبراء وشخصيات لها تكوين خاص، لكن باستقراء التاريخ المعاصر فالظرفية السياسية تتحكم في اختيار الوزير الذي ستناط به مهمة تدبير مالية الدولة وجبايتها. فمن هم هؤلاء الوزراء وما هي بصمة كل منهم على القطاع ؟

18. محمد برادة.. الاقتصادي السفير والوزير

عين محمد برادة وزيرا للمالية في الحكومة العشرين التي ترأسها محمد كريم العمراني التي مارست مهامها من 11 غشت 1992 إلى 9 نونبر 1993،  وضمت وزير الدولة مولاي أحمد العلوي، ووزير الدولة مكلف بالشؤون الخارجية والتعاون عبد اللطيف الفيلالي،  ووزير العدل مولاي مصطفى بلعربي العلوي، ووزير الداخلية والإعلام إدريس البصري،  ووزير الصحة العمومية عبد الرحيم الهاروشي وأخرين.

ومحمد برادة، من مواليد 3 نونبر 1944 بمدينة الدار البيضاء،  حاصل على دبلوم معهد تسيير المقاولات وعلى دبلوم الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية وعلى شهادة الدراسات السياسية وعلى اجازة في علم الاجتماع وعلى دبلوم الدراسات السياسية في القانون الخاص وعلى دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية. أصبح منذ سنة 1969 أستاذا للاقتصاد بكليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط والدار البيضاء.

ترأس الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي عام 1992 في واشنطن،  ومن 1993 إلى 1999 شغل منصب سفير المغرب بفرنسا ومندوب المغرب لدى اليونسكو. ومن 1999 إلى 2001، كان رئيسا للمكتب الشريف للفوسفاط، ثم رئيسا ومديرا تنفيذيا لشركة الخطوط الملكية المغربية (RAM) من 2001 إلى 2005.

ومنذ 2006، كان أستاذا فخريا بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ورئيس مركز الأبحاث لينكس وعضو مجلس التعليم العالي، فضلا عن اللجنة التوجيهية للمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية.

وهو مؤلف كتب ومقالات متخصصة في الإدارة وإدارة الأعمال منها كتاب “المقاولون بالمغرب في سنوات الستينات: نخبة الانتقال”، وهو كتاب يرصد بروفيل المقاولين المغاربة في البدايات الأولى لعهد الإستقلال.  وهو كذلك مؤسس مؤسسة أم كلثوم في الدار البيضاء التي تهدف إلى تلبية الاحتياجات الاجتماعية والثقافية والصحية لسكان سيدي مومن بالدار البيضاء.

يحكي الراحل مصطفى العلوي في عموده “الحقيقة الضائعة” بعنوان “عندما قال الوزير برادة للحسن الثاني: إن كثرة القهوة والسجائر تضر سيدنا” أنه مرة كان الحسن الثاني يحضر في مخططاته المتجددة، حينما كلف رجل الأعمال كريم العمراني، الثري بتشكيل الحكومة، وهو الذي اختار لوزارة المالية واحدا من أقطاب الاقتصاد والمال، كان يسمى محمد برادة، البنكي الذكي، الذي اختاره العمراني لميزاته الاقتصادية المتطورة، وقدمه للملك الذي عينه يوم 11 غشت 1992 وزيرا للمالية. وقد أطلق الحسن الثاني بالمناسبة، دعوة إلى إرغام الوزراء على التصريح بممتلكاتهم.

واستقبل الحسن الثاني وزير ماليته الجديد للتعرف به ولمناقشته في موضوع التصريح بالممتلكات.. وكان الملك في صالون قصره مع وزير المالية رأسا لرأس، لاكتشاف ميزات الرجل أولا، وتحضير طريقة التصريح بالممتلكات. وطال الحديث والنقاش، والملك يطلب قهوة وراء قهوة، ويشعل سيجارة وراء سيجارة، والوزير الفاسي برادة يستغرب، فالقهوة لم تنقطع والسجائر لم تنطفئ، ليفاجئ الوزير الشاب المهذب ملكه بقوله: مولاي إن هذه القهاوي بكثرة والسجائر بكثرة، مضرة لصحة سيدنا، وخطر عليه، لتتغير سحنة الملك، ويقف وبرادة لازال يتكلم، ويذهب الملك ربما إلى الحمام.. ولكنه لا يعود.

وبعد انتظار طويل، يربط الوزير برادة نظره في الاتجاه الذي ذهب إليه الملك ولم يعد، لكنه يفاجئ بأحد المخازنية يقبل عليه ويسأله: من أنت؟ ويتجمد برادة عندما بدأ المخازنية في جمع الموائد وإغلاق النوافذ، ليأتي واحد منهم ويسأله: ماذا تفعل هنا؟ ويؤمر برادة بالانسحاب.

ولم يفهم السي برادة أنه لم يكن من حقه أن ينبه ملك البلاد إلى الامتناع عن التدخين، وبقي شهورا طويلة يخفي هذه الحكاية، إلى أن كان يوم 11 نونبر 1993، يسمع الأخبار المتلفزة، والمذيع يقول: وقد تفضل جلالته بتعيين السيد محمد ساكو وزيرا للمالية، ليكون أنسب الاقتصاديين محمد برادة قد قضى سنة وبضعة شهور وزيرا للمالية، وها هو المخزن لا يقبل من وزير مهما علا شأنه، وبرزت ميزاته مهامه،  أن يتدخل في الشؤون الخاصة لملك البلاد”.

أترك تعليقا

%d مدونون معجبون بهذه: