وزراء المالية والاقتصاد في الحكومات المتعاقبة بالمغرب – عبد الرحيم بوعبيد ( الحلقة 4)

له موقع خاص في التشكيلة الحكومية قبل دولة الاستقلال كان يطلق عليه أمين الأمناء، قبل أن يسمى وزير المالية والاقتصاد.

غالبا ما تكلف بهذه الوزارة شخصيات من عائلات مخزنية أو خبراء وشخصيات لها تكوين خاص، لكن باستقراء التاريخ المعاصر فالظرفية السياسية تتحكم في اختيار الوزير الذي ستناط به مهمة تدبير مالية الدولة وجبايتها. فمن هم هؤلاء الوزراء وما هي بصمة كل منهم على القطاع ؟

4. عبد الرحيم بوعبيد .. مهندس الاقتصاد المختلط 

ارتبط اسمه بميلاد الدرهم المغربي وبإدخال تقنية التخطيط الاقتصادي ببلادنا وبإحداث أدوات تدخل الدولة في السياسة الاقتصادية، بل هو مؤسس القطاع العمومي والاقتصاد المختلط بالمغرب من أجل تمكين البلاد من أدوات السياسة الاقتصادية في مجال التنمية والضبط الاقتصاديين.

ويتعلق الأمر بأربع مؤسسات أساسية ظهرت كلها سنتي 1958 و1959: صندوق الإيداع والتدبير ـ البنك المغربي للتجارة الخارجية ـ البنك الوطني للإنماء الاقتصادي ـ مكتب الدراسات والمساهمات الصناعية الذي أداره محمد الحبابي.

في مؤلفها المرجعي «عبد لله إبراهيم، تاريخ الفرص الضائعة» تتحدث الكاتبة زكية داوود عن هذه ذلك قائلة: “كان على الحكومة بناء كل شيء، وحققت بهذا الخصوص نجاحات مهمة: مصانع الجرارات، مصنع لتركيب الشاحنات بالشراكة مع شركة «بيرلي»، مصنع لتركيب السيارات (صوماكا)، مصنع للصلب بالناظور (صوناسيد)، وحدة لتكرير النفط بالمحمدية (سامير)، بالشراكة مع المؤسسة النفطية الإيطالية  ENI ، مصنعان للخيط بكل من فاس وتطوان، مصنع لصناعة العجلات (جينرالتاير)، معامل لاستخراج السكر من الشمندر…”

وبفضل المخطط الخماسي المبتكر في عهده، كانت الشراكة بين القطاع العمومي والقطاع الخاص للنهوض بالصناعة أو ما كان يعرف حينها ب «الاقتصاد المختلط» الذي سمح بظهور مشاريع وحدات للصناعات الميكانيكية، وصناعة الورق، والسكر، والصلب.. مصنع للمحركات.. معامل لإنتاج البذور.. ورش الصناعة البحرية بالدار البيضاء.

كما ستخرج من طيات ملفات حكومة عبد لله إبراهيم مشاريع إضافية مثل المركب الكمياوي الأول بأسفي. ويندرج أيضا في هذا الإطار الذي يروم تمكين البلاد من قطاع صناعي، تأميم مناجم جرادة، والشركة الشريفة للنفط فضلا عن إنجازات أخرى مثل قانون المعادن..

فقد فرض خروج رؤوس الأموال وتخفيض العملتين الفرنسية والإسبانية، وتجميد حسابات المغرب من طرف فرنسا إلى ضبط سعرالصرف والتحويلات المالية، في أكتوبر 1959، وظهور العملة الوطنية الدرهم.

فضلا عن إنجازات كبيرة من قبيل إنشاء «معهد إصدار وطني»، و«بنك المغرب»، و«البنك الوطني للإنماء الاقتصادي»، و«البنك المغربي للتجارة الخارجية    (BMCE) »، و«الصندوق الوطني للادخار  (CNE) ».

وفي نفس السياق تم إحداث البنك الوطني للإنماء الاقتصادي (BNDE)، لتمكين رجال الأعمال المغاربة من الاستثمار في القطاعات المُدرّة للثروات، كما كان إحداث صندوق الإيداع والتدبير (CDG) دليلا على الإرادة السياسية للدولة في توفير الإمكانات المالية والمؤسساتية اللازمة لتقليص العجز الهائل الذي كان يعرفه المغرب بعد الاستقلال .

ويرجع قرار الدولة المغربية ، آنذاك، الانخراط بقوة في الاستثمار في القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، لغياب طبقة من المقاولين قادرة على تدبير المشروع الاقتصادي الوطني.

كان ذلك من بصمات تولي عبد الرحيم بوعبيد في أكتوبر 1957 منصب وزير الاقتصاد الوطني والمالية وهي وزارة جديدة وذلك في حكومة مبارك البكاي الثانية، لكنه في  22 نونبر 1958 سيقدم استقالته من حكومة أحمد بلا فريج، احتجاجا على وجود قوى خفية مشبوهة تدبر الفتن المصطنعة. وإضافة إلى وزارة الاقتصاد الوطني والمالية من أكتوبر 1956 إلى مايو 1960، أضيفت له كذلك مسؤولية وزير الفلاحة، وكان نائب رئيس الحكومة في حكومة أحمد بلافريج وعبد الله إبراهيم.

تولى عبد الرحيم منصب أول سفير للمغرب بباريس كما شغل في الآن نفسه وزير دولة ماي 1956،   وتحمل مسؤولية وزير الاقتصاد ونائب رئيس الحكومة في حكومة عبد الله إبراهيم في 24 دجنبر 1958، وأشرف على تحضير التصميم الخماسي الأول للتحرير الاقتصادي 12 فبراير 1958 .

ورغم اعتقاله بمعية أعضاء المكتب السياسي محمد اليازغي – محمد الحبابي – محمد منصور – محمد الحبيب الفرقاني في 7 شتنبر 1981،  سيعين وزير دولة في حكومة الوحدة الوطنية في 19 غشت 1984،  وسيقدم استقالته من منصب وزير دولة من على منصة المؤتمر الوطني الرابع لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أبريل 1984 والذي شغل كاتبا أولا له .

في ديوانه، جمع عبد الرحيم بوعبيد في وزارة الاقتصاد والمالية خيرة الأطر المغربية أمثال محمد الحبابي (واحد من قادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) وعزيز بلال (واحد من قادة الحزب الشيوعي المغربي) وابرهام السرفاتي (القائد الرئيسي للحركة الماركسية اللينينية إلى الأمام)، وآخرين ممن ساهموا في وضع لبنات استقلال الاقتصاد الوطني.

يقول عبد الرحيم بوعبيد في مذكراته: «معالم الاستقلال الاقتصادي للمغرب كان قد تم وضعها في ماي 1960 […] وإنشاء قطاع عمومي يلعب دور المحرك لقوة الدفع: المركب الكيماوي بأسفي ومعمل الصلب والحديد بالناظور، إنشاء وحدات صناعية من أجل تركيب وصناعة الشاحنات (اتفاقية المغرب ـ بيرلي) وتركيب الجرارات وصناعتها (اتفاق لابورليي)، إنشاء وحدة صناعة العجلات (اتفاقية جنرال تاير)، وصناعة مركب للوحدات النسيجية (منها كوفيسط بفاس)، وإنشاء محطة لتكرير النفط بالمحمدية (سامير) واتفاقية ماطيي التي كانت في طور الإعداد لتركيب وصناعة السيارات (صوماكا) وتأميم مناجم جرادة والشركة الشريفة للبترول وتأميم استيراد الشاي والسكر وبدء العمل بتعريفة جمركية جديدة، مع التوجه نحو حماية منتوجاتنا الوطنية…».

وعبد الرحيم بوعبيد محام ورجل سياسي مغربي مزداد بسلا (سانية حصار) يوم 23 مارس 1922 وتوفي يوم 8 يناير 1992، وكان من أبرز المحامين بهيئة بالرباط بعد نيله شهادة الإجازة في القانون عام 1945 بمعهد الدراسات السياسية في باريس بفرنسا، وهو أحد أصغر أعضاء الهيئة القيادية لحزب الاستقلال.

عرف بمعارضته للملك الحسن الثاني في إجراء الاستفتاء في الصحراء ما تسبب في اعتقاله. وانتخب بتاريخ 10 يناير 1975 كاتبا أول (أمينا عاما) لحزب الاتحاد الاشتراكي، وأعيد انتخابه لثلاث ولايات متتالية على رأس الحزب.

وفي مطلع أكتوبر 1991، عاد من باريس حيث تلقى العلاج الطبي، وحضر عبد الرحيم بوعبيد آخر مرة اجتماعا للجنة المركزية للحزب، وألقى خلاله كلمة مؤثرة اعتبرت بمثابة وصيته إلى حزب القوات الشعبية.

في يوم 8 يناير، رحل عبد الرحيم بوعبيد إلى دار البقاء بمدينة الرباط عن عمر يناهز 69 عاما، وفي اليوم الموالي أقيمت مراسيم تشييع جنازته بحضور حشد مهيب.

أترك تعليقا

%d مدونون معجبون بهذه: